فصل: تفسير الآية رقم (11):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الجواهر الحسان في تفسير القرآن المشهور بـ «تفسير الثعالبي»



.تفسير الآيات (4- 5):

{وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (5)}
وقوله تعالى: {وَءاتُواْ النساء صدقاتهن نِحْلَةً...} الآية: قال ابن عَبَّاس وغيره: الآيةُ خطابٌ للأزواج وقال أبو صَالِحٍ: هي خطابٌ لأوليَاءِ النِّسَاءِ؛ لأنَّ عادَةَ بَعْض العَرَب كانَتْ أنْ يأكل وليُّ المرأة مَهْرها، فرفَعَ اللَّه ذلكَ بالإسْلام، وقيل: إن الآية في المتشاغِرِينَ الذين يتزوَّجون امرأةً بأخرى، فُأمِرُوا أنْ يضربوا المُهُورَ.
قال * ع *: والآية تتناوَلُ هذه التأويلاتِ الثَّلاثَ، ونِحْلَةَ، أي: عطيَّة منْكم لهُنَّ، وقيل: نِحْلَة: معناه: شِرْعَة؛ مأخوذٌ من النِّحَل، وقيل: التقديرُ: نِحْلَةً مِنَ اللَّه لَهُنَّ؛ قال ابنُ العَرَبِيِّ: وذلك أنَّ النحلة في اللُّغة: العطيَّةُ عنْ غَيْرِ عِوَضٍ. انتهى.
وقوله: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْساً...} الآية: الخطابُ حَسْبَما تقدَّم مِنَ الاختلاف، والمعنى: إنْ وَهَبْنَ غيْرَ مكرَهَاتٍ، طيِّبةً نفوسُهنَّ، والضميرُ في {مِنهُ} يعود علَى الصَّدَاقِ؛ قاله عكرمةُ وغيره، ومَنْ: تتضمَّن الجِنْس ههنا؛ ولذلك يجوزُ أنْ تهب المَهْر كلَّه.
وقوله تعالى: {هَنِيئاً مَّرِيئاً}: قال اللغويُّون: الطعامُ الهَنِيءُ هو السَّائِغُ المستحسَنُ الحميدُ المَغَّبةِ؛: وكذلك المريءُ.
وقوله سبحانه: {وَلاَ تُؤْتُواْ السفهاء أموالكم}، قال أبو موسَى الأشعريُّ وغيره: نَزَلَتْ في كلِّ مَنِ اقتضى الصِّفَة الَّتي شرط اللَّهُ مِنَ السَّفَهِ، كان من كان، وقولُه: {أموالكم}، يريد: أموالَ المخاطَبِينَ؛ قاله أبو مُوسَى الأشعريُّ، وابنُ عبَّاس، والحَسَنُ، وغيرهم، وقال ابنُ جُبَيْر: يريدُ أموالَ السُّفَهاء، وأضافها إلى المخاطَبِينَ، إذ هي كأموالهم، و{قِيَاماً} جمع قِيمَة.
وقوله تعالى: {وارزقوهم فِيهَا...} الآية: قيل: معناه: فِيمَنْ تلزم الرَّجُلَ نفقتُهُ، وقيل: في المحجُورِينَ مِنْ أموالهم، و{مَّعْرُوفاً}: قيل: معناه: ادعوا لهم، وقيل: معناه: عِدُوهُمْ وَعْداً حَسَناً، أي: إنْ رَشَدتُّمْ، دَفَعْنا لكُمْ أموالكم، ومعنى اللفظة: كُلُّ كلام تعرفه النفُوسُ، وتأْنس إلَيْه، ويقتضيه الشَّرْع.

.تفسير الآيات (6- 7):

{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6) لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7)}
وقوله: {وابتلوا اليتامى...} الآية: الابتلاءُ: الاختبارُ، و{بَلَغُواْ النّكَاحَ}: معناه: بَلَغُوا مَبْلَغَ الرجَالِ بِحُلُمٍ أوْ حَيْضٍ، أوْ غَيْرِ ذلك، ومعناه: جَرِّبوا عقولهم، وقَرَائِحهم، وتصرُّفهم، و{ءانَسْتُمْ}: معناه: عَلِمْتُمْ، وشَعَرْتُمْ، وخَبَرْتُمْ، ومالكٌ رحمه اللَّه يرَى الشَّرْطَيْن البُلُوغَ والرُّشد المختَبَرَ، وحينئذٍ يدفع المال.
قال * ع *: والبلوغُ لم تَسُقْهُ الآيةُ سِيَاقَ الشَّرْط، ولكنَّها حالةُ الغالِبِ على بني آدم؛ أنْ تَلْتَئِمَ عقولُهم فيها، فهو الوقْتُ الذي لا يُعْتَبَرُ شَرْط الرُّشْد إلاَّ فيه، فقال: إذا بلغ ذلك الوقْتَ، فلينظُرْ إلى الشرط، وهو الرُّشْد حينئذٍ؛ وفصاحةُ الكلامِ تدُلُّ على ذلك؛ لأنَّ التوقيتَ بالبلوغِ جاء ب إذَا، والمشروطُ جاء ب إنْ التي هي قاعدةُ حروفِ الشرطِ، وإذا ليستْ بحَرْفِ شرطٍ إلاَّ في ضرورة الشِّعْر، قال ابنُ عَبَّاس: الرُّشْد في العقلِ وتدبيرِ المَالِ لا غَيْرُ؛ وهو قولُ ابنِ القَاسِمِ في مَذْهَبنا.
وقال الحَسَنُ، وقَتَادة: الرُّشْد في العَقْلِ والدينِ؛ وهو روايةٌ أيضًا عن مالك.
وقوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ}: نهي منه سبحانَه للأوصياء عَنْ أَكْل أموالِ اليتامى بغَيْر الواجبِ المُبَاح لهم، والإسْرَافُ: الإفراط في الفَعْل، والسَّرَف: الخَطَأُ في مواضع الإنفاق، وبِدَاراً: معناه: مُبَادَرَةً كِبَرِّهم، أيْ أنَّ الوصِيَّ يستغنمُ مالَ مَحْجُورِهِ، وأَنْ يَكْبَرُوا: نَصْبٌ ب {بِدَار}، ويجوز أنْ يكونَ التقديرُ مخافةَ أنْ يَكْبَرُوا.
وقوله تعالى: {وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ}، يقال: عَفَّ الرجُلُ عَنِ الشَّيْء، واستعف، إذا أَمْسَكَ، فَأُمِرَ الغنيُّ بالإمساك عَنْ مالِ اليتيمِ؛ وأبَاحَ اللَّه للوصيِّ الفقيرِ أنْ يأكُلَ مِنْ مالِ يتيمه بالمَعْروف.
واختلف العلماءُ في حَدِّ {المعروف}، فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: إنما يأكل الوصيُّ بالمعروف؛ إذا شَرِبَ مِنَ اللَّبَنَ، وأَكَلَ مِنَ التَّمْر بما يهنأ الجَرْبَاء، ويلطُّ الحَوْض، ويُجِدُّ التمْر، وما أشبهه، قُلْتُ: يقال للقَطِرَانِ: الهَنا؛ في لغة العرب؛ كذا رأيته مَنْصُوصاً عليه.
وقوله تعالى: {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهم فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ}: أمْرٌ من اللَّه تعالى بالتحرُّز والحَزْم، وهذا هو الأَصْل في الإشهاد في المَدْفُوعات كلِّها؛ إذا كان حَبَسَهَا أوَّلاً معروفاً.
قال * ع *: والأظهر أنَّ {حَسِيباً} هنا: معناه: حَاسِباً أعمالكم، ومجازياً بها، ففِي هذا وعيدٌ لكلِّ جاحدِ حَقٍّ.
وقوله سبحانه: {لِّلرِّجَالِ نَصِيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون...} الآية: قال قتادة وغَيْره: سبَبُ نزولِ هذه الآيةِ أنَّ العرب كَانَ منْها مَنْ لا يُوَرِّثُ النساءَ، ويقولونَ: لا يَرِثُ إلاَّ مَنْ طَاعَنَ بالرُّمْحِ، وقَاتَلَ بالسَّيْف.

.تفسير الآية رقم (8):

{وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8)}
وقوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى...} الآية: اختلف فِيمَنْ خُوطِبَ بهذه الآية، فقيل: الخطابُ للوارِثِينَ، وقيل: للمحتَضَرِينَ؛ والمعنى: إذا حضَرَكُم المَوْتُ، أيَّها المؤمنون، وقَسَمْتم أموالكم بالوصيَّة، وحَضَرَكُمْ مَنْ لا يرثُ مِنْ ذوي القرابةِ، واليتامى، فارزقوهم منه؛ قاله ابن عبَّاس وغيره.
واختلف، هَلْ هِيَ منسوخةٌ بآية المواريثِ، أو هِيَ مُحْكَمَةٌ؟ وعلى أنَّها مُحْكَمَةٌ، فهل الأمر على الوُجُوب، فيعطى لهم ما خَفَّ، أو على النَّدْب؟ خلافٌ.
والضميرُ في قوله: {فارزقوهم}، وفي قوله: {لَهُمْ}: عائدٌ على الأصنافِ الثلاثةِ، والقولُ المعروفُ: كلُّ ما يتأَنَّس بِهِ؛ مِنْ دعاءٍ، أو عِدَةٍ، أَوْ غير ذلك.

.تفسير الآية رقم (9):

{وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (9)}
وقوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ...} الآية: اختلف، مَنِ المرادِ في هذه الآيةِ؟ فقال ابنُ عَبَّاس وغيره: المرادُ: مَنْ حَضَر ميتاً حين يوصِّي، فيقول له: قَدِّم لنفسكَ، وأعْطِ لفلانٍ وفلانٍ، ويؤذِي الورثَةَ بذلك، فكأنَّ الآية تَقُولُ لهم: كَمَا كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ على ورثَتِكُمْ وذرِّيَّتكم بَعْدَكُم، فكذلك فاخشوا على ورثة غَيْرِكُمْ، ولا تَحْمِلُوه على تبذيرِ مالِهِ، وتَرْكِهِمْ عالَةً، وقال مقسَم وحضرميٌّ: نزلَتْ في عكسِ ذلك، وهو أنْ يقول للمُحْتَضَرِ: أمْسِكْ على ورثَتِكَ، وأَبْقِ لِوَلَدِكَ، ويَنْهَاهُ عَنِ الوصيَّة، فيضرّ بذلك ذوي القربى، واليتامى، والمساكينَ، وكلَّ من يستحقُّ أن يوصى له؛ فقيل لهم: كما كُنْتُمْ تَخْشَوْنَ على ذرِّيتكم، وتُسِرُّون بأنْ يحسن إلَيْهم؛ فكذلك فَسَدِّدوا القَوْلَ في جهة اليتامى والمساكين.
قال * ع *: والقولانِ لاَ يَطَّرِدَانِ في كلِّ الناس، بل الناسُ صِنْفَانِ؛ يصلُح لأحدهما القَوْلُ الواحدُ، وللآخَرِ القولُ الثَّاني؛ وذلك أنَّ الرجل، إذا ترك ورثةً أغنياء، حَسُنَ أنْ يُنُدَبَ إلى الوصية، ويُحْمَلَ على أنْ يقدِّم لنفسه، وإذا ترك ورثةً ضعفاء مقلِّين، حَسُن أنُ يُنْدَبَ إلَى التَّرْكِ لهم، والاحتياطِ؛ فإنَّ أجْره في قَصْد ذلك كأجره في المَسَاكينِ، فالمراعى إنما هو الضَّعْفُ، فيجب أنْ يُمَالَ معه.
وقال ابنُ عَبَّاس أيضاً: المرادُ بالآية: ولاة الأيْتَامِ، فالمعنى: أحسنوا إلَيْهم، وسدِّدوا القول لهم، واتقوا اللَّه في أكْل أموالهم؛ كما تخافُونَ على ذُرِّيَّتِكُمْ أَنْ يُفْعَلَ بهم خِلافُ ذلك.
وقالَتْ: فرقةٌ: بل المرادُ جميعُ الناسِ، فالمعنى: أمرهم بالتقوى في الأيْتَامِ، وَأَوْلاَد النَّاسِ، والتَّسْديد لهم في القَوْل، وإن لم يكُونُوا في حُجُورهم؛ كما يريدُ كُلَّ أحدٍ أنْ يَفْعَلَ بولده بَعْده، والسديدُ: معناه: المُصِيبُ للحَقِّ.

.تفسير الآية رقم (10):

{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)}
وقوله تعالى: {إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً...} الآية: أكْثَرُ النَّاس أنَّ الآية نزلَتْ في الأوصياء الذين يأكُلُون ما لم يُبَحْ لهم مِنْ أموال اليتامى، وهي تتناوَلُ كُلَّ آكل، وإنْ لم يكُنْ وصيًّا، وورد في هذا الوعيدِ أحاديثُ؛ منها: حديثُ أبِي سَعِيدٍ الخدريِّ، قال: حَدَّثَنَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، قَالَ: «رَأَيْتُ قَوْماً لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الإبِلِ، وَقَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَنْ يَأْخُذُ بِمَشَافِرِهِمْ، ثُمَّ يَجْعَلُ فِي أَفْوَاهِهِمْ صَخْراً مِنْ نَارٍ تَخْرُجُ مِنْ أَسَافِلِهِمْ، قُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلاَءِ؟ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليتامى ظُلْماً». قُلْتُ: تأمَّل رحمك اللَّه صَدْرَ هذه السورةِ معظمه إنَّما هو في شأن الأجوفَيْنِ البَطْنِ والفَرْجِ مع اللسان، وهما المُهْلِكَانِ، وأعْظَمُ الجوارحِ آفةً وجنايةً على الإنسان، وقد رُوِّينَا عن مالكٍ في الموطأ، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهُ قَالَ: «مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ شَرَّ اثنين، وَلَجَ الجَنَّةَ: مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ». قَالَ أبُو عُمَر بْنُ عبدِ البَرِّ في التمهيد: ومعلوم أنه أراد صلى الله عليه وسلم ما بَيْن لَحْيَيْهِ: اللسان، وما بَيْنَ رجلَيْه: الفَرْج، واللَّه أعلم.
ولهذا أردَفَ مالكٌ حديثه هذا بحَدِيثِهِ عَنْ زيْد بنِ أَسْلَمَ، عن أبيه؛ أنَّ عمر بن الخطَّاب دَخَلَ على أبِي بَكْرٍ رضي اللَّه عنه، وهو يَجْبِذُ لِسَانَهُ، فَقَالَ له عُمَر: مَهْ، غَفَرَ اللَّه لَكَ، فَقَالَ أبو بَكْرٍ: إن هذا أوْرَدَنِي المَوَارِدَ، قال أبو عمر: وفي اللسان آثار كثيرةٌ، ثم قال أبو عُمَر: وعَنْ أبي هُرَيْرة: إنَّ أكْثَرَ ما يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ الأجْوَفَانِ: البَطْن، والفَرْج، ثم أسند أبو عُمَر عن سَهْل بن سَعْد، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ يَتَكَفَّلُ لِي بِمَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ، وأَضمَنْ لَهُ الجَنَّة»، ومن طريق جابر نحوه. انتهى.
والصّلى: هو التسخُّن بقُرْب النَّار أو بمباشرتها، والمُحْتَرِقُ الذي يذهبه الحَرْقُ ليس بصَالٍ إلاَّ في بدء أمره، وأهْلُ جهنَّم لا تُذْهِبُهم النَّار، فهم فيها صَالُونَ أعاذنا اللَّه منها بجُودِهِ وكَرَمِهِ، والسعير: الجَمْر المُشْتَعِلُ. وهذه آية من آياتِ الوَعيد، والَّذي يعتقدُه أهل السُّنَّة أنَّ ذلك نافذٌ على بعض العُصَاة؛ لَئِلاَّ يقع الخَبَر بخلافِ مخبره، ساقط بالمشيئة عن بعضهم.

.تفسير الآية رقم (11):

{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11)}
وقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم...} الآية: تتضمَّن الفرضَ والوُجُوبَ، قيل: نَزَلَتْ بسبب بنَاتِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ.
وقيل: بسبب جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّه.
وقوله: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين} أي: حظ مثل حظ الأنثيين.
وقوله: {فَوْقَ اثنتين}، معناه: اثنتين فَمَا فَوْقَهما تَقْتَضِي ذلكَ قُوَّةُ الكلامِ، وأما الوقوفُ مع اللفظ، فيسقطُ معه النصُّ على الاثنتين، ويثبت الثُّلُثَانِ لهما؛ بالإجماع، ولم يحفظْ فيه خلاف إلاَّ ما رُوِيَ عن ابْن عَبَّاس؛ أنه يرى لهما النِّصْفَ، ويثبت لهما أيضًا ذلك بالقياسِ على الأختَيْنِ؛ وبحديث التِّرْمِذِيِّ؛ «أنَّ رسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قضى للابنتين بِالثُّلُثَيْنِ».
وقوله سبحانه: {فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ}: المعنى: ولاَ وَلَدُ وَلَدٍ، ذكَراً كان أو أنثى، {فَلأُمِّهِ الثلث}، أي: وللأبِ الثُّلُثَانِ.
وقوله تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السدس}، أي: كانوا أشقَّاء أو للأب أو للأم، والإجماعُ على أنهم لا يأخُذُونَ السُّدُسَ الذي يحجبون الأمَّ عنه؛ وكذا أجْمَعُوا على أنَّ أخَوَيْنِ فصاعدًا يحجُبُون الأمَّ عنه إلاَّ ما رُوِيَ عنِ ابْنِ عَبَّاس؛ مِنْ أنَّ الأخوَيْنِ في حُكْمِ الواحد.
وقدَّم الوصيةَ في اللفظ؛ اهتماما بها، وندباً إليها؛ إذ هي أقلُّ لزوماً من الدَّيْن؛ وأيضاً: قدَّمها لأنَّ الشرع قد حضَّ عليها فلابد منها، والدَّيْنُ قد يكُونُ وقَدْ لا يكُونُ؛ وأيضاً: قدَّمها إذْ هي حظُّ مساكينَ وضِعَافٍ، وأخَّر الدَّيْن؛ لأنه حقُّ غريمٍ يَطْلُبه بقوَّة، وله فيه مقالٌ، وأجمعَ العلماءُ على أنَّ الدَّيْن مقدَّم على الوصيَّة، والإجماعُ على أنه لا يوصى بأكْثَرَ مِنَ الثلث، واستحب كثيرٌ منهم أَلاَّ يبلغ الثلث.
وقوله تعالى: {ءَبَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ} رفْعٌ بالابتداء، والخَبَرُ مضمرٌ، تقديره: هم المَقْسُوم عليهم، أو هم المُعْطُونَ، وهذا عَرْضٌ للحكمة في ذلك، وتأنيسٌ للعرب الَّذين كانُوا يورِّثون على غير هذه الصِّفَة.
قال ابن زَيْد: {لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً}، يعني: في الدنيا والآخرة، قال الفَخْر: وفي الآية إشارةٌ إلى الانقيادِ إلى الشَّرْعَ، وتَرْكِ ما يَميلُ إليه الطَّبْع. انتهى.

.تفسير الآيات (12- 14):

{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (12) تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (14)}
وقوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أزواجكم إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ...} الآية: الولَدُ هنا في هذه الآية، وفي التي بعدها: هُمْ بَنُو الصُّلْب، وبَنُو ذُكُورِهِمْ، وإن سَفَلُوا، والكَلاَلَةُ: خُلُوُّ المَيِّتِ عَنِ الوَالِدِ والوَلَدِ؛ هذا هو الصحيحُ.
وقوله تعالى: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ...} الآية: الإِجماع على أن الأُخُوَّة في هذه الآيةِ للأمِّ، وأما حُكْم سائر الإِخوة سواهم، فهو المذكور في آخر السورة.
وقرأ سعدُ بْنُ أبي وَقَّاص: {وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ لأُمِّهِ}، والأنثى والذَّكَر في هذه النَّازلة سواءٌ، بإجماع.
وقوله سبحانه: {غَيْرَ مُضَارٍّ}، قال ابن عبَّاس: الضِّرَارُ في الوصية مِنَ الكَبَائر ورواه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وروى أبو هريرة؛ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ ضَارَّ فِي وَصِيَّتِهِ، أَلْقَاهُ اللَّهُ تعالى فِي وَادٍ فِي جَهَنَّمَ». قال * ع *: ووجوه المُضَارَّةِ كثيرةٌ؛ مِنْ ذلك: أنْ يُقِرَّ بحَقٍّ ليس عليه، أو يُوصِيَ بأكْثَرَ من ثلثه، أو لوارِثِهِ.
قال * ص *: {غَيْرَ مُضَارٍّ}: منصوبٌ على الحالِ: أي: غَيْرَ مُضَارٍّ ورثَتَهُ. انتهى.
قلت: وتقدير أبي حَيَّان: {وَرَثَتَهُ} يأباه فصاحَةُ ألفاظِ الآية؛ إذ مقتضاها العمُوم، فلو قال: غَيْرَ مُضَارٍّ وَرَثَةً، أو غَيْرَهم، لكان أحْسَنَ، لكن الغالبَ مُضَارَّة الورثة، فلهذا قَدَّرهم.
وقوله تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ الله...} الآية: {تِلْكَ}: إشارةٌ إلى القِسْمة المتقدِّمة في المواريثِ، وباقِي الآية بَيِّن.